مركز الأبحاث العقائدية
553
موسوعة من حياة المستبصرين
إنَّ الله تعالى لم يَدَعْ لنبيّ من الأنبياء مسؤوليّة التشريع ولم يسند إليهم تأسيس الأحكام والشرع ، فالله تعالى هو الذي يعلم ما ينفع الناس وما يصلحهم ، ولهذا فهو الذي له أن يقوم بهذا الأمر الذي لا يقدر عليه غيره ، وما على الرسول إلاّ بلاغة بلاغاً لا يخالجه الإبهام . والله تعالى بإسناد الأمر إلى ذاته العليّة يريد أن يَبلُغ تشريعُه الناس دون أيّ تغيير أو نقص ، سواء كان عمداً أو سهواً ، ولكنَّ الرسول بشر ، والبشريّة مجمع الأخطاء والنسيان ، فما هو العمل إذا ما أُنزل عليه أمر الله ليبلّغه كما أُنزل عليه دون تغيير يؤدّي إلى التغيير في طريقة وأُسلوب التبليغ ، فضلا عن أن يؤدّي إلى تغيير الهدف والغاية ؟ ولهذا عصم الله الأنبياء عن الخطأ عمداً أو سهواً ، حتّى لا يَحْدُث ذلك التغيير تبعاً للخطأ . وعلى هذا فكلّ ما يصدر عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) هو الوحي بعينه ، من حيث اللفظ والمعنى تارة ، ومن حيث المعنى فقط تارة أُخرى . ولهذا فالنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى ) ( 1 ) . فإذا ثبت ذلك فالنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) لا بد أن يدركه الموت يوماً ، وسيأخذ بزمام الأمر من بعده أُولو الأمر الذين وجبت طاعتهم على الناس مثله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإن كان الوحي لا يتنزّل عليهم لاكتمال نزوله . إنّ العمل بهذا الوحي - طبقاً لعمل النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) به - لم ينتهِ ، بل هو باق ما بقيّ الزمان والمكان . ونحن نعلم أنَّ حفظ كلام كما قيل دون تغيير هو أسهل بكثير من العمل به وتطبيقه على مسرح الواقع الملموس ، حيث المشاكل والمعضلات والمنعطفات الحرِجة . إذاً ، كيف يتسنّى لأُولي الأمر القيام بهذه المهمّة الأصعب بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) دون
--> 1 - النجم : 3 - 4 .